المناوي
55
طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )
أغرق قوم في مخالفة النّفس ، حتّى خالفوا الحقّ ، ومنه استئذانهم في الواجب ، والضّروريّ الذي لا يمكن الانفكاك عنه . الأصل الرّابع والأربعون : الأجر على قدر الاتّباع ، لا على قدر النّصب ، لفضل الإيمان ، والمعرفة ، والذّكر على ما هو أشقّ من الحركات الجسمانيّة ، وأمّا خبر « أجرك على قدر نصبك » « 1 » ، فإخبار خاصّ في خاصّ ، لا يلزم عمومه . الأصل الخامس والأربعون : التّشديد في التعبّد منهيّ عنه كالتّقصير فيه ، والتّوسّط أخذ بالطّرفين ، وخير الأمور أوسطها . الأصل السّادس والأربعون : تحديد ما لم يرد في الشّرع تحديده ابتداع « 2 » في الدّين ، فلا تتّبع سبيل الغلاة المفسدين . الأصل السّابع والأربعون : استخراج الشّيء من محلّه بإدخال الضّدّ عليه أبدا ، فإن تعدّد تعدّد ، أو اتّحد اتّحد ، حسب سنّة اللّه ، لا لزوما في النّظر ، وإن اقتضاه العقل ، فلهذا أمروا المريد في ابتدائه بتعديد الأوراد ، وإكثارها نفيا لما في نفسه من آثارها ، والمتوسّط بإفراد الورد لانفراد الهمم ، وإفراد الحقيقة . الأصل الثّامن والأربعون : ما ركّب في الطّباع معين للنّفس على ما تريده ، حسب قواها ، ولذلك [ قيل ] إذا علم الطّفل ما تميل إليه نفسه خرج إماما ، وإذا انتحل المريد ما ترجحه حقيقته من الأذكار والأوراد ، كان معينا له على مقصده بدوامه ، وما دخل فيه بانبساط كان أدعى لدوامه . الأصل التّاسع والأربعون : طلب الشّيء بوجه واحد مع الإلحاح أقرب لنواله ، وادعى لدوام سببه المطلوب في نفسه ، لإفراد الحقيقة له ، فلزم التزام ورد واحد ، لا ينتقل عنه حتّى تحصل نتائجه ، وإلّا فالمتنقّل قبل الفتح كحافر بئر لا يدوم على محلّ واحد ، وكالمقطّر قطرة على كل محلّ يريد تأثير المحلّ بالقطرة ، فلا يظهر لعمله أثر ، ومن استوى يوماه هو الذي لم يعمل فيهما شيئا ، ومن احتوى أمسه على خلاف يومه فهو المحروم ، لأنّه ليس عنده إلّا عمل أمسه .
--> ( 1 ) تقدم تخريجه في الحاشية ( 1 ) ، صفحة 1 / 45 . ( 2 ) في الأصل : اتباع . والمثبت من قواعد التصوف ، القاعدة ( 94 ) .